الشيخ محمد رشيد رضا

97

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

يلحون على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حتى دخل فلبس لأمته « 1 » بعد صلاة الجمعة وكان قد أوصاهم في خطبتها ووعدهم بأن لهم النصر ما صبروا ، ثم خرج عليهم وقد ندم الناس وقالوا استكر هنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ولم يكن لنا ذلك ، وقالوا له استكر هناك ولم يكن لنا ذلك فان شئت فاقعد فقال « ما كان لنبي إذا لبس لأمته ان يضعها حتى يحكم اللّه بينه وبين عدوه » أي لما فسخ العزيمة بعد إحكامها وتوثيقها من الضعف ومبادئ الفشل وسوء الأسوة . وفي سحر يوم السبت خرج بألف من أصحابه واستعمل بالمدينة عبد اللّه بن أم مكتوم الأعمى على الصلاة بمن بقي فيها فلما كانوا بالشوط بين المدينة وأحد انعزل عنه عبد اللّه بن أبي بن سلول رئيس المنافقين بنحو ثلث العسكرو هم 300 ) وقال أطاعهم وعصاني - وفي رواية أطاع الولدان ومن لا رأى له - فما ندري علام نقتل أنفسنا ههنا أيها الناس . فرجع بمن اتبعه من قومه أهل النفاق والريب ، فتبعهم عبد اللّه بن عمرو بن حرام أخو بنى سلمة يقول : يا قوم أذكركم اللّه أن لا تخذلوا قومكم ونبيكم ، تعالوا قاتلوا في سبيل اللّه أو ادفعوا . قالوا : لو نعلم أنكم تقاتلون لم نرجع ولكن نرى أنه لا يكون قتال . وقد كان المسلمون نحو ثلث المشركين الذين خرجوا إليهم فأمسوا وقد ذهب من الثلث نحو ثلثه ، وهمت بنو سلمة من الأوس وبنو حارثة من الخزوج أن تفشلا فعصمهما اللّه تعالى وقد كان خروج المنافقين منهم خيرا لهم كما قال تعالى في مثل ذلك يوم تبوك ( 9 : 47 لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ ما زادُوكُمْ إِلَّا خَبالًا ) الآية ، وإنما ارتأى عبد اللّه بن أبي عدم الخروج ليكتفى أمر القتال أو خطره حرصا على الحياة وإيثارا لها على إعلاء كلمة اللّه . فكان على موافقته للرسول في الرأي مخالفا له في سببا وعلته ، فالرسول صلّى اللّه عليه وسلّم كان يراعى في جميع حروبه التي كانت كلها دفاعا قاعدة ارتكاب أخف الضررين وأبعد الأمرين عن العدوان رحمة بالناس وإيثارا للسلام . وتعزز رأيه المبنى على هذه السنة برؤيا رآها قبل ذلك ؛ وكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح . رآى أن في سيفه ثلمة ورأى أن بقرا تذبح وأنه أدخل يده في درع حصينة فتأول الثلمة في

--> ( 1 ) اللأمة - بالهمز ، ويترك : الدرع ، وقيل السلاح .